شعار 4saud4saudدفتر صقّار من البرّ

من دفتر الصقّار

صيد الحبارى بالصقور في السعودية: تاريخ الصقارة ومكانتها

الصقارة عندنا ليست هواية تُشترى، هي لغة تُورث. وفي قلب هذه اللغة طائر واحد ظلّ يختبر صبر الصقر وصاحبه: الحبارى.

صقّار بالشماغ الأحمر والثوب الأبيض يحمل صقراً على يده في الليل
صقّار بالشماغ الأحمر والثوب الأبيض يحمل صقراً على يده في الليل، من أرشيف 4saud

أول مرة رأيت فيها صقراً يُرخى من اليد، لم أفهم شيئاً مما حدث. كان الفجر بارداً، والرجال واقفين على طرف نفود، وأحدهم يفك البرقع بأصابع ثابتة كأنه يفتح رسالة يعرف ما فيها. طار الصقر، وانخفض، وارتفع، ثم صار نقطة. ولم يتكلّم أحد. فهمت بعدها بسنين أن ذلك الصمت كان جزءاً من الصيد نفسه، وأن الصقارة تُتعلّم بالعين والصبر أكثر مما تُتعلّم بالكلام.

في هذه الصفحة أحاول أن أجمع ما أعرفه عن تاريخ الصقارة في بلادنا ومكانتها، ولماذا بقيت الحبارى عند الصقّارين «الطريدة» التي يقاس بها كل شيء. وحرصت أن تكون كل معلومة فيها لها مصدر تجده في آخر المقال، فهذا موضوع كثر فيه الكلام المنقول بلا أصل. وأما ما أرويه من تجربتي فهو تجربة، لا أكثر. ومن يخرج للبر يعرف أن الطقس يقرر نصف المقناص قبل أن يقرره الصقر، ولهذا أضفنا للموقع صفحات للمدن تتابع أحوال الجو أولاً بأول.

الصقارة عند أهل الجزيرة: إرث يعيش في اليد

الصقارة في جزيرة العرب أقدم من أن يحدّها تاريخ مكتوب نعرفه بدقة، ولن أدّعي هنا رقماً لا أملك عليه دليلاً. لكن الثابت الموثّق أن العالم اعترف بها إرثاً حياً. ففي عام 2010 قررت لجنة اليونسكو الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي إدراج «الصقارة، تراث إنساني حي» في القائمة التمثيلية، بملف مشترك قدّمته إحدى عشرة دولة كانت المملكة العربية السعودية واحدة منها.

ولم يتوقف الملف عند ذلك. فقد توسّع على مراحل، وفي عام 2021 صار الإدراج يضم أربعاً وعشرين دولة، والمملكة بينها. وهذا التوسع يعني شيئاً بسيطاً نعرفه نحن أهل البر: أن الصقّار في نجد يفهم الصقّار في آسيا الوسطى أو في أوروبا، لأن اللغة التي بين الإنسان والطير واحدة، وإن اختلفت الأسماء.

ما يعنيني في هذا الاعتراف أنه وصف الصقارة بأنها «حية». فهي ليست قطعة في متحف، بل ممارسة تنتقل من الأب إلى ابنه، ومن الخبير إلى المبتدئ، في المجلس وفي البر. تعلّمت حمل الصقر قبل أن أتعلّم أسماء أدواته، وتعلّمت أسماءها قبل أن أفهم لماذا صُنعت كل أداة على هيئتها.

لماذا الحبارى بالذات؟

إذا جلست مع صقّارين، فاسمع كم مرة تُذكر الحبارى. هي في الكلام قبل غيرها، وفي القصص قبل غيرها. وتذكر موسوعة سعوديبيديا في مادتها عن طائر الحبارى أنها الطريدة الأولى عند الصقّارين، وأنها تحدٍّ للصقّار وصقره معاً، وأن صيدها يمنحهم شعوراً بالفخر. وهذا وصف دقيق لما يدور في صدر الصقّار حين يرى صقره يلحق بها.

والحبارى طائر يطير منخفضاً قريباً من الأرض، يحط ويقوم مرات، ويتّخذ من الأرض الجرداء والشجيرات الصغيرة مستقراً. وتذكر الموسوعة نفسها أن الأنثى تُسمّى عند بعض أهل البادية «الدجاجة» والذكر «الخرب». ومن يعرف لون ريشها يعرف لماذا يصعب أن تراها وهي رابضة، فهي بلون الأرض التي تقف عليها.

الحبارى الشرقية في أرقام

النوع الذي يعنينا في المملكة هو الحبارى الآسيوية، وتسميها سعوديبيديا «الحبارى الشرقية» واسمها العلمي Chlamydotis macqueenii. وتذكر في وصفها أن طولها بين 55 و75 سنتيمتراً، وأن وزن الذكر بين 1800 و3200 غرام، ووزن الأنثى بين 1200 و1700 غرام. وهي في الغالب طائر منفرد، ينشط عند الغسق، ويتغذّى على أجزاء النباتات وعلى اللافقاريات كالجراد والخنافس.

ومما يلفت في المادة نفسها أن الطيور التي تُتبعت بأجهزة رُصدت وهي تطير مسافة تصل إلى ستين كيلومتراً بحثاً عن الغذاء. وهذا رقم يفسّر شيئاً كنا نراه ولا نفهمه: أن الأرض التي امتلأت بالأثر أمس قد تكون خالية اليوم.

أدوات الصقّار ولغته

لكل صنعة لغة، ولغة الصقارة غنية. وأذكر هنا ما وثّقته مجلة الصقر في شرح أدوات التدريب، مع ما نسمعه في المجالس من تسميات:

  • البرقع: غطاء من جلد رقيق يُفصَّل على قدر وجه الصقر. يغطي عينيه فيهدأ، ولا يُرفع إلا ساعة الإرسال.
  • المنقلة، وتُكتب أيضاً «المنجلة»: الواقي الذي يلبسه الصقّار في يده حتى لا تؤذيه مخالب الصقر وهو يحمله.
  • الوكر: مأوى الصقر الذي يُربط فيه، وهو وتد حديدي يُكسى بالخشب، وكثيراً ما يُزيَّن، وفي أعلاه أسطوانة مكسوّة بالجلد ليرتاح عليها الطير.
  • السبوق: خيط رفيع من قطعتين متساويتين، يُربط طرفه بالطير وطرفه الآخر بما يمسكه الصقّار.
  • المرسل: خيط أغلظ يُحكم به الطائر، وفيه قطعة معدنية تدور حتى لا يلتفّ.
  • المخلاة: كيس من القماش يحمل فيه الصقّار عدّته في رحلة المقناص.

ومن يرى صور المعرض في هذا الموقع سيجد الوكور مغروسة في الرمل، وصفاً من الصقور ينتظر، ورجلاً يقف بينها. تلك الصورة وحدها تشرح «الوكر» أكثر من أي تعريف.

وكلمة المقناص نفسها تستحق وقفة. فهي عندنا ليست الصيد وحده، بل الرحلة كلها: التجهيز، والطريق، والمخيم، وانتظار الفجر، والقهوة على النار، والحديث في الليل عمّا جرى في النهار. ولهذا ترى صقّاراً يعود بلا طريدة وهو راضٍ، لأن المقناص كان جميلاً.

وأذكر أن أول ما نُبّهت إليه وأنا صغير لم يكن كيف أرسل الصقر، بل كيف أحمله. اليد ثابتة، والمرفق قريب من الجسد، والحركة هادئة. الصقر يقرأ يدك قبل أن يقرأ وجهك، وإن ارتجفت اليد ارتبك الطير. وكان الكبار يقولون لنا إن البرقع لا يُرفع على عجل، وإن الصقر الذي تعوّد الهدوء في المجلس يكون أهدأ في البر. لم أجد لهذا الكلام مصدراً مكتوباً، لكنه درس تكرر أمامي حتى صار جزءاً مني، وأظنه سيتكرر أمام كل من يحمل صقراً لأول مرة.

الصقور التي يعرفها أهل البر

تذكر سعوديبيديا أن في المملكة ستة أنواع من الصقور: الحر، والوكري، والشاهين، والصقر الأحمر الطوق، والعوسق، والصقر الأسود الجناح. والذي يتصدّر حديث الصقّارين في العادة اثنان: الحر والشاهين.

والصقر الحر، كما تصفه الموسوعة، يبلغ طوله نحو ستة وأربعين سنتيمتراً، ويشبه الشاهين في شكل أجنحته وطول ذيله، ويُعرف بشجاعته، ولهذا اتّخذه الناس للصيد. أما الشاهين فله عند العرب مكانته المعروفة. ولكل صقّار ميل، وأنا لا أريد أن أفتح هنا نقاشاً لا ينتهي في المجالس عن أيهما أفضل، فلكل طير طبعه، ولكل طريدة طيرها.

وما أستطيع قوله من تجربتي أن الصقر لا يُقاس بنوعه وحده. يُقاس بصبر صاحبه عليه، وبحالته يوم الإرسال، وبالأرض التي يُرسل فيها، وبالريح التي تهبّ ذلك الصباح. صقر ممتاز في يوم سيئ قد يرجع خائباً، وصقر عادي في يوم صافٍ ساكن قد يفاجئك.

من الإكثار إلى المحميات: الحبارى تحت الحماية

لا يصح أن نتكلم عن الحبارى اليوم كما تكلّم عنها آباؤنا. فالأرقام تغيّرت. والقائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة تصنّف الحبارى الآسيوية «معرّضة للخطر» (Vulnerable)، وتقدّر صحيفة النوع لدى BirdLife International، وهي الجهة التي تعدّ تقييم الطيور للقائمة، أعداد البالغين بين 33 ألفاً و67 ألف طائر، مع اتجاه متناقص. وتذكر أسباباً منها الصيد المفرط.

وفي المملكة بدأ العمل على حمايتها منذ عقود. فبحسب مادة الحبارى الشرقية في سعوديبيديا، بدأ مشروع الإكثار وإعادة التوطين عام 1986، بالتعاون بين مركز الأمير سعود الفيصل لأبحاث الحياة الفطرية في الطائف والجهة المسؤولة عن الحياة الفطرية آنذاك. وفقس أول بيض عام 1989 بعد تحسين أساليب التلقيح والحضانة الاصطناعية. وفي عام 1991 كان أول إطلاق في محمية محازة الصيد، وهي اليوم محمية الإمام سعود بن عبدالعزيز الملكية، وأُطلق فيها بين 1991 و1998 نحو 330 طائراً. ثم في عام 1995 بدأ التكاثر الطبيعي هناك، وسُجّلت أول أعشاش في وسط المملكة منذ أكثر من أربعين عاماً.

وتصف موسوعة الحياة الفطرية العربية في مقال قديم عن المشروع كيف أُنشئت محمية حرة الحرة عام 1986 حول آخر منطقة تكاثر معروفة للحبارى في المملكة، شمال غرب البلاد قرب الحدود الأردنية، ومُنع فيها الصيد. وتذكر سعوديبيديا أن من مواطنها الشتوية وديان الرمل الضحلة ومنخفضات حرة الحرة داخل محمية الملك سلمان بن عبدالعزيز الملكية، شرق وادي السرحان في منطقة الجوف.

ما الجديد في السنوات الأخيرة؟

تذكر سعوديبيديا أن عام 2022 شهد إنتاج أكثر من 800 طائر باستخدام الانتقاء الجيني، وإطلاقات في محميتي الإمام عبدالعزيز بن محمد الملكية والملك خالد الملكية. وفي عام 2023 منح المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية أول ترخيص رسمي لإنتاج الحبارى لمركز متخصص في القصيم. وفي عام 2024 أُنشئ مركز إكثار في محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية، تقول الموسوعة إن طاقته الإنتاجية 25 ألف طائر.

هذه الأرقام لا تعني أن الحبارى عادت كما كانت. لكنها تعني أن جيلاً كاملاً من الصقّارين يعيش اليوم مرحلة مختلفة: الطريدة التي كانت تُطلب بلا حساب صارت تُحسب، وتُربّى، وتُطلق، وتُتابع.

نادي الصقور والمهرجان: من المجلس إلى المنصّة

أُسس نادي الصقور السعودي عام 1438هـ (2017م)، ومن أهدافه كما تذكرها سعوديبيديا: الاعتراف الرسمي بالصقارة رياضةً مشروعة، وتنظيم البطولات، والمحافظة على الحياة الفطرية بحماية الصقور ودعم إكثارها. وانطلقت النسخة الأولى من مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور في الرياض عام 1440هـ (2019م). وفي عام 1442هـ (2020م) بدأ مزاد الصقور في مقر النادي بملهم شمال الرياض، بوصفه أول منصة رسمية لبيع الصقور في المملكة.

ومن مبادرات النادي برنامج «هدد» لإعادة الصقور إلى مواطنها. وبحسب ما نشرته صحيفة عاجل، للبرنامج مساران: محلي يُعنى بإطلاق الشاهين الجبلي والوكري داخل المملكة، ودولي يُعنى بإطلاق الحر والشاهين البحري خارجها، ومن ذلك ما أعلنه النادي في مارس 2026 عن إطلاق صقور مهددة بالانقراض في محمية ألتين إيميل الوطنية في كازاخستان.

قد يرى بعض كبار السن أن المهرجانات والمزادات بعيدة عن روح البر. وأنا أفهم هذا الشعور. لكني أرى أن ما يحفظ الصقارة اليوم هو أن تبقى لها قواعد واضحة وجهات تُعنى بها، حتى لا تضيع بين الفوضى والنسيان.

ما الذي بقي لنا؟

بقي لنا الشيء الأهم: العلاقة بين الصقّار وطيره. هذه لا يغيّرها نظام ولا تصنعها منصة. تبدأ من أول ليلة تجلس فيها مع صقر جديد، وتستمر بالأيام التي تقضيها تعوّده على يدك وصوتك.

وبقي لنا أن نصطاد بمسؤولية. فالموسم اليوم له مواعيد، والتصاريح لها منصة، والأنواع المسموح بها تُعلن كل عام، وقد كتبت عن ذلك بالتفصيل في مقال الأنظمة والتراخيص قبل الخروج للمقناص. ومن أراد أن يعرف متى يتحرك الموسم الشتوي ومتى ينتهي فليقرأ مواسم صيد الحبارى الشتوية.

وبقي لنا البر نفسه، بنجومه وبرده وريحه. وقبل كل خروج أنظر في توقعات المدينة الأقرب إلى المكان الذي أقصده. فمن يخرج من الرياض شمالاً يتابع طقس الرياض يوم سفره، ثم حائل أو الجوف حين يقترب، لأن الفرق بين المدينتين في ليالي الشتاء قد يكون كبيراً. وتجد في صفحة المدن الحالة الآن وتوقعات الأيام السبعة.

الصقر يعلّمك ما لا يعلّمه الكتاب: أن تنتظر، وأن تقرأ الريح، وأن ترضى بما يأتي.

أكتب هذا وأنا أعرف أن كثيراً مما تعلّمته لن يجده القارئ في المصادر، لأنه عاش في المجالس والسيارات وعلى أطراف النفود. لكن ما يمكن توثيقه وثّقته، وما لم أتأكد منه تركته. وهذا أقل ما نقدّمه لطائر صبر علينا كل هذه السنين، ولصقر نحمله على أيدينا كما حمله أجدادنا.

المصادر

  1. اليونسكو: قرار اللجنة الحكومية الدولية 5.COM 6.45: الصقارة تراث إنساني حي (2010)
  2. اليونسكو: الصقارة، تراث إنساني حي (الملف رقم 01708، إدراج 2021)
  3. اليونسكو: قرار اللجنة 16.COM 8.b.14
  4. سعوديبيديا: الحبارى الشرقية (نُشر 13/11/2023)
  5. سعوديبيديا: طائر الحبارى (نُشر 07/02/2023)
  6. سعوديبيديا: نادي الصقور السعودي
  7. سعوديبيديا: الصقر الحر
  8. BirdLife International: Asian Houbara Chlamydotis macqueenii: صحيفة النوع (تقييم 2021)
  9. Arabian Wildlife Encyclopedia: HOUBARA: The Saudi Arabian Project
  10. مجلة الصقر: أدوات تدريب الصقور
  11. صحيفة عاجل: نادي الصقور السعودي يطلق عدداً من الصقور المهددة بالانقراض في كازاخستان (28 مارس 2026)

راجعت المصادر في 21 أكتوبر 2026. الأنظمة والمواسم تتغيّر، فارجع إلى الجهة الرسمية قبل أي قرار.