شعار 4saud4saudدفتر صقّار من البرّ

من دفتر الصقّار

المربعانية وموسم الصقارة: لماذا يفضّلها الصقّارون

إذا قال لك صقّار «دخلت المربعانية»، فهو لا يخبرك بتاريخ فقط. هو يخبرك أن الليالي صارت طويلة، وأن الفجر صار بارداً، وأن البر تغيّر.

غروب برتقالي وأحمر تملأ فيه الغيوم المتقطعة سماء البر
غروب برتقالي وأحمر تملأ فيه الغيوم المتقطعة سماء البر، من أرشيف 4saud

للمربعانية في نفسي طعم خاص. أول ليلة نمت فيها في البر وأنا صغير كانت في المربعانية، وما زلت أذكر كيف صحوت قبل الفجر على صوت الحطب، وكيف كانت يداي لا تشعران بالفنجان. ومنذ ذلك الحين وأنا أربط هذا الاسم بالنار، وبالبرقع البارد في يدي، وبالصقر الذي ينتفش على وكره ينتظر الشمس.

في هذا المقال أحاول أن أشرح المربعانية كما يعرّفها أهل الاختصاص، وأن أضع إلى جانب الحكايات أرقاماً حقيقية عن برد ليالي الشمال والوسط في هذه الفترة، ثم أشرح لماذا يحبها الصقّارون. وكعادتي في هذا الموقع، كل معلومة لها مصدر في آخر الصفحة، وما كان رأياً قلت إنه رأي. والكلام عن الطقس في هذه الأيام بالذات يحتاج دقة، لأن الفرق بين ليلة باردة وليلة قارسة قد يكون الفرق بين مقناص ممتع وليلة لا تُنسى لأسباب سيئة.

ما المربعانية؟

المربعانية في التقويم الشعبي لأهل الجزيرة العربية فترة شتوية تُعدّ بنحو أربعين يوماً. ويشرح الباحث في علم الفلك والأرصاد إبراهيم الجروان، في حديث نشرته صحيفة الاتحاد عام 2018، أنها ليست نجماً واحداً ولا منزلة واحدة، بل اسم يجمع ثلاث منازل قمرية من برج العقرب:

منازل المربعانية الثلاث ومواعيد دخولها كما يذكرها إبراهيم الجروان
المنزلةموعد الدخول التقريبي
الإكليل7 ديسمبر
القلب20 ديسمبر
الشولة2 يناير

وبحسب الحديث نفسه، تنخفض درجات الحرارة الصغرى في الجزيرة العربية خلال هذه الفترة إلى أدنى مستوياتها، ويشتد البرد ليلاً خاصة، ويتأخر شروق الشمس أكثر من أي وقت آخر في السنة. وتمتد المربعانية إلى منتصف يناير تقريباً، ثم يليها «الشبط» الذي يبدأ في منتصف يناير مع منزلة النعائم، ويُعدّ امتداداً لها. ويذكر الجروان أن البرد يبدأ في الانكسار مع طلوع سعد الذابح نحو العاشر من فبراير.

أربعون يوماً أم تسعة وثلاثون؟

نشرت صحيفة سبق عن الباحث عبدالعزيز الحصيني أن كل نجم من نجوم المربعانية الثلاثة يستمر ثلاثة عشر يوماً، فيكون مجموعها تسعة وثلاثين يوماً، وأنه حدد دخولها في السابع من ديسمبر. ويذكر الدكتور عبدالله المسند، في حديث نشرته الصحيفة نفسها، أن دخول المربعانية تحدده علامات جوية لا التقويم وحده، وأن التواريخ تقريبية.

وهذا ما أراه في البر فعلاً. بعض السنوات يأتي البرد قبل موعده، وبعضها يتأخر. ولهذا لا أعامل التاريخ بوصفه وعداً، بل علامة تقريبية، ثم أنظر في توقعات الأيام القادمة على منصة طقس السعودية لأعرف ما الذي ينتظرني حقاً.

ماذا تقول الأرقام؟

أردت أن أعرف هل المربعانية فعلاً أبرد فترة في السنة في مدن المقناص، فحسبت متوسطات درجات الحرارة من بيانات إعادة التحليل ERA5 لعشر سنوات، من 2016 إلى 2025. اعتبرت المربعانية من 7 ديسمبر إلى 15 يناير، والشبط من 16 يناير إلى 10 فبراير، وقارنتهما بآخر نوفمبر. وهذه أرقام على شبكة إحداثيات تقريبية، فقد تختلف قليلاً عن محطات الرصد، لكنها تعطي صورة صادقة للفرق.

متوسط الصغرى / العظمى (°م) وأدنى صغرى يومية في البيانات، محسوبة من ERA5 (2016–2025)
المدينة15 نوفمبر – 6 ديسمبرالمربعانيةالشبطأدنى صغرى في الشبط
الرياض14.5 / 25.610.0 / 21.49.2 / 21.3-0.8
حائل10.6 / 21.86.8 / 18.25.7 / 17.8-4.1
عرعر9.1 / 19.65.3 / 16.14.1 / 15.7-5.9

والنتيجة فيها ما يؤكد الموروث وما يضيف إليه. فالمربعانية أبرد بوضوح مما قبلها: نحو أربع درجات في متوسط الصغرى في المدن الثلاث. لكن الشبط الذي يليها كان في هذه البيانات أبرد منها قليلاً، بنحو درجة في المتوسط. وحين حسبت أبرد أيام السنة في المتوسط، وجدتها في الرياض وحائل بين النصف الثاني من يناير وأول فبراير، وفي عرعر في النصف الثاني من يناير.

وهذا لا يعارض الموروث بقدر ما يكمّله. فالمربعانية في كلام الناس بداية البرد الحقيقي، والجروان نفسه يقول إن الشبط امتداد لها، وإن البرد لا ينكسر قبل سعد الذابح. ومعنى ذلك للصقّار أن أبرد ليالي المقناص قد تكون في آخر الموسم لا في أوله.

على مستوى الأشهر

وعلى مستوى الأشهر، كان يناير في البيانات نفسها أبرد شهور السنة في الصغرى لكل المدن التي حسبتها تقريباً. في سكاكا مثلاً كان متوسط صغرى يناير 4.5 درجة، وفي عرعر وتبوك 4.2 درجة، وفي حائل 5.8 درجة، وفي الرياض 9.2 درجة. وأدنى صغرى يومية سجّلتها البيانات في يناير كانت في سكاكا: سبع درجات تحت الصفر تقريباً.

كم ليلة تحت الصفر؟

وسألت البيانات سؤالاً آخر يهمّ من ينام في البر: كم ليلة في السنة تنزل فيها الصغرى إلى الصفر أو دونه؟ فكان المتوسط في الفترة نفسها نحو خمس ليالٍ في السنة في عرعر، ونحو ليلتين في حائل، بينما تكاد لا تحدث في الرياض. وقد يبدو الرقم صغيراً، لكن تذكّر أنه متوسط على شبكة إحداثيات واسعة، وأن الأرض المنخفضة المكشوفة في البر قد تكون أبرد من متوسط المدينة القريبة. فمن ينام في بطن وادٍ أو على أرض مفتوحة قد يرى صقيعاً في ليلة لم تسجّل فيها المدينة شيئاً يُذكر.

لماذا يحبها الصقّارون؟

هنا أترك الأرقام وأتكلم من التجربة، فاعذرني إن لم أجد لكل كلمة مرجعاً.

أولاً، المربعانية تقع في قلب الفترة الشتوية من موسم الصيد. فالمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية يذكر أن الفترة الشتوية تمتد من 1 ديسمبر إلى 31 يناير، والمربعانية كلها تقريباً داخلها. يعني هذا أن الصقّار الذي ينتظر البرد لا يخسر شيئاً من الموسم.

ثانياً، الجو البارد يريح الإنسان والطير معاً في ساعات النهار. العظمى في حائل وعرعر خلال المربعانية بين ست عشرة وثماني عشرة درجة في المتوسط، وهذا جو تستطيع أن تقضي فيه نهارك كاملاً في البر دون أن تهرب إلى الظل. ومن جرّب مقناص سبتمبر يعرف الفرق.

ثالثاً، ليالي المربعانية الطويلة هي ليالي المجلس. النهار للصيد، والليل للنار والقهوة والحديث. وفي هذه الليالي تُروى القصص، ويتعلّم الصغير من الكبير، ويُراجع الصقّار ما جرى في يومه. وأظن أن كثيراً من حب الصقّارين للمربعانية هو حب لهذه الليالي، لا للبرد نفسه.

ورابعاً، وهذه ملاحظة شخصية: الصقر في الصباح البارد الصافي يبدو لي أنشط وأحسن مزاجاً منه في الحر. لا أملك دراسة أستند إليها هنا، وقد يكون ما أراه انطباعاً لا أكثر، فخذه على أنه رأي صقّار لا حقيقة علمية.

برد الليل وضباب الصبح

من علامات المربعانية التي ذكرها الحصيني بحسب ما نشرته سبق: البرد في الليل والنهار مع تقدّم أيامها، والضباب والندى، وتساقط أوراق الشجر. والضباب بالذات يستحق الانتباه، لأنه قد يُخفي الأرض أمامك في الساعات الأولى من الصباح، وهي الساعات نفسها التي يفضّلها الصقّار للخروج.

ولهذا أنصح بأمرين. الأول: انظر في توقعات الساعات القادمة قبل النوم، فإن كان الضباب متوقعاً فأخّر الخروج حتى ينقشع. وإن كانت وجهتي الحدود الشمالية راجعت طقس عرعر في الليلة نفسها قبل أن أقرر موعد الخروج. والثاني: تابع تنبيهات المركز الوطني للأرصاد، فهو الجهة الرسمية التي تصدر التحذيرات من موجات البرد والضباب والرياح.

لا صيد بعد الغروب

وتذكّر أن اللائحة التنفيذية لصيد الكائنات الفطرية البرية تحظر الصيد ليلاً، من ساعة قبل غروب الشمس إلى ساعة بعد شروقها. وفي المربعانية، حين يكون النهار في أقصر أيامه، تصير هذه القاعدة عاملاً حقيقياً في تخطيط اليوم. فلا تتأخر في الإرسال حتى يقترب المغيب، ولا تبدأ قبل أن يرتفع الضوء.

يوم في المربعانية

أصف هنا يوماً كما أعيشه عادة في هذه الفترة، لا كما يجب أن يكون. فلكل صقّار طريقته، ولكل مكان ظروفه.

أصحو قبل الفجر والبرد في أشده. أول ما أفعله أن أُحيي النار من جمر الليل، ثم أطمئن على الصقر: هل نام مرتاحاً؟ هل ريشه منفوش من البرد أم مستقر؟ بعد الصلاة أشرب القهوة وأنتظر الضوء، فلا شيء يستحق العجلة في هذا الوقت. وحين يرتفع الضوء بما يكفي، وبعد أن يمضي الوقت الذي تشترطه اللائحة بعد الشروق، نتحرك.

الساعات الأولى بعد الشروق هي أجمل ما في اليوم. الهواء ساكن في الغالب، والأرض واضحة، والصقر حاضر. ثم يبدأ النهار يدفأ قليلاً، وقد تتحرك الريح بعد الظهر، فنعود إلى المخيم ونرتاح. وقبل العصر نخرج مرة أخرى إن كان في الجو ما يسمح، ثم نعود قبل أن يقترب المغيب بوقت كافٍ.

وبعد المغرب يبدأ الليل الطويل، وهو في المربعانية طويل فعلاً. النار، والعشاء، والحديث. وفي هذه الساعات أنظر في توقعات اليوم التالي، فإن كانت الريح شديدة أو الضباب متوقعاً غيّرنا الخطة. وهكذا يمضي اليوم بين البر والمجلس، ولا أعرف شيئاً أحب إليّ منه.

الشمس في أبعد نقطة

ومن طرائف المربعانية أن منتصفها تقريباً يوافق الانقلاب الشتوي، حين تكون الشمس عند مدار الجدي في أبعد نقطة لها جنوباً، ثم تبدأ رحلة العودة. وتذكر صحيفة الاتحاد في حديث الجروان أن برد «الانصراف» يقع نحو منتصف المربعانية، حين تنصرف الشمس عن مدار الجدي. فالنهار بعده يبدأ يطول شيئاً فشيئاً، لكن البرد لا يتبعه فوراً، بل يستمر ويشتد كما رأينا في الأرقام، لأن الأرض تحتاج وقتاً لتفقد ما خزّنته من حرارة.

عدّة المربعانية

لا أكتب هنا قائمة شراء، بل ما تعلّمته من ليالٍ كان يمكن أن تكون أحسن لو استعددت لها:

  • الدفء على طبقات: البرد في الفجر غيره في الظهر، والطبقات تسمح لك أن تخلع وتلبس دون أن تبرد.
  • الحطب قبل الحاجة: اجمع حطبك قبل الغروب. البحث عنه في الظلام والبرد ليس فكرة جيدة.
  • مكان الصقر: احمِ صقرك من الريح الباردة في الليل، واجعل وكره في مكان محمي.
  • الماء والوقود: المسافات في الشمال طويلة، والقرى متباعدة، فلا تعتمد على ما ستجده في الطريق.
  • التوقعات: انظر في صفحات حائل وعرعر وسكاكا وتبوك قبل أن تتحرك، لأن الفرق بين ليلة وأخرى قد يكون كبيراً.

وبعد المربعانية

ومن الأخطاء التي وقعت فيها في سنواتي الأولى أنني كنت أخفّف عدّتي حين تنتهي المربعانية في التقويم، ظناً أن البرد انكسر. ثم أجد في أواخر يناير ليلة أبرد من كل ما مرّ. والأرقام التي عرضتها أعلاه تفسّر ذلك تماماً: الشبط في هذه البيانات أبرد قليلاً من المربعانية نفسها. فلا تخفّف عدّتك قبل أن يخفّف البرد، واجعل آخر الموسم مثل أوله في الاستعداد. وتذكّر أن الموسم الرسمي نفسه ينتهي في آخر يناير، أي في قلب هذا البرد.

بين النجم والتوقعات

كان آباؤنا يعرفون دخول المربعانية من النجم ومن برودة الماء في القربة. ونحن اليوم نعرفه من التقويم ومن توقعات الأرصاد. وأظن أن الأحسن أن نجمع الطريقتين: أن نحفظ ما ورثناه من معرفة، وأن نتحقق منه بما بين أيدينا من بيانات. وفي هذا المقال حاولت أن أفعل ذلك تماماً، فوجدت أن الموروث صادق في جوهره، وأن الأرقام تضيف إليه تفصيلاً لم نكن نعرفه، وهو أن البرد يواصل اشتداده في الشبط.

وإن أردت أن تعرف موعد بداية الموسم ونهايته بدقة، فاقرأ مواسم صيد الحبارى الشتوية. وإن أردت أن تعرف كيف تقرأ الريح والغبار والمطر قبل الخروج، فاقرأ الطقس في مواقع الصيد.

المصادر

  1. صحيفة الاتحاد: «المربعانية».. بداية برودة الشتاء (15 ديسمبر 2018)
  2. صحيفة سبق: بدء المربعانية غداً.. «الحصيني» يوضح علاماتها ونجومها الثلاثة
  3. صحيفة سبق: المسند يكشف حقيقة دخول المربعانية: علامات جوية لا تعتمد على التقويم
  4. المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية: الأسئلة الشائعة: مواسم الصيد
  5. جريدة أم القرى: اللائحة التنفيذية لصيد الكائنات الفطرية البرية
  6. المركز الوطني للأرصاد: المركز الوطني للأرصاد
  7. Open-Meteo: Historical Weather API (ERA5)، بيانات 2016–2025

راجعت المصادر في 21 أكتوبر 2026. الأنظمة والمواسم تتغيّر، فارجع إلى الجهة الرسمية قبل أي قرار.