من دفتر الصقّار
الطقس في مواقع الصيد وتأثيره على الصقر والحبارى والمقناص
الصقر يطير في الهواء، والحبارى تعيش على الأرض، والصقّار بينهما. وكل ما يحدث في الهواء وعلى الأرض يبدأ من حالة الجو ذلك اليوم.

في إحدى الرحلات قبل سنوات، خرجنا في صباح بدا مثالياً. سماء صافية، وهواء بارد، وصقور في أحسن حال. وبعد الظهر بقليل تغيّر لون الأفق، ثم جاء الغبار. لم نرَ شيئاً لساعات، وجلسنا في السيارات ننتظر. صورتان من ذلك اليوم ما زالتا في معرض الموقع: سيارة صغيرة وسط جدار برتقالي، لا يُعرف أين الأرض وأين السماء.
تعلّمت من ذلك اليوم أن الطقس ليس خلفية للمقناص، بل هو المقناص نفسه في أحيان كثيرة. في هذا المقال أكتب عن أهم الظواهر الجوية التي تواجه الصقّار: الحر، والريح، والغبار، والمطر، والضباب. وأضع إلى جانب التجربة أرقاماً حسبتها من بيانات مناخية لعشر سنوات، وما وجدته موثّقاً عن سلوك الحبارى. وفي آخر المقال أشرح كيف أقرأ التوقعات قبل الخروج. ومن عادتي أن أراجع حالة الطقس قبل الطلعة بيوم، ثم صباح اليوم نفسه.
الحر: لماذا الموسم في الأشهر الباردة
ليس صدفة أن موسم الصيد الذي يعلنه المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية يبدأ في سبتمبر وينتهي في يناير. فهذه هي الأشهر التي يبدأ فيها الحر بالانكسار ثم يأتي البرد. لكن سبتمبر نفسه ما زال حاراً في الوسط والشمال، وهذا ما يجعل أول الموسم أصعب من آخره.
وحين حسبت متوسطات السنوات العشر الأخيرة من بيانات ERA5، كان متوسط العظمى في يوليو في الأحساء 45.6 درجة، وفي الرياض 43.4 درجة، وفي بريدة 43.2 درجة. وفي سبتمبر، أول شهور الموسم، ما زال متوسط العظمى في الرياض فوق الأربعين. وأنا لا أعرف دراسة تحدد الحرارة التي يتحمّلها الصقر في العمل، ولن أخترع رقماً، لكن من حمل صقراً في ظهيرة سبتمبر يعرف أن الطير يتعب، وأن صاحبه يتعب قبله.
وما أفعله في أول الموسم بسيط: الخروج في الساعات الأولى من الصباح، والعودة قبل أن تشتد الشمس، والراحة في الظل حتى العصر. والماء للإنسان، والظل للطير، والصبر للجميع.
الرطوبة: الساحل غير الداخل
ومما تكشفه الأرقام فرق كبير في الرطوبة بين الساحل والداخل. ففي أغسطس كان متوسط الرطوبة النسبية في جدة نحو 64٪، وفي الرياض نحو 13٪ فقط، وفي حائل نحو 15٪. ومن يخرج من الداخل إلى الساحل، أو العكس، يحسّ بهذا الفرق في جسده قبل أن يقرأه في جدول. والحر الرطب أثقل على الإنسان من الحر الجاف، ولهذا تجد في صفحات المدن على هذا الموقع قيمة «الإحساس» بجانب الحرارة، لأنها أقرب إلى ما ستشعر به فعلاً.
الريح: صديقة الصقر وعدوته
الريح أكثر ما يشغل بال الصقّار في يوم الإرسال. الصقر يطير في الهواء، والهواء المتحرك يغيّر كل شيء: سرعته، واتجاهه، وقدرته على الثبات فوق الطريدة. وريح خفيفة قد تساعد، وريح شديدة قد تأخذ الصقر بعيداً عنك.
وفي البيانات المناخية نمط واضح لمدن الشمال والقصيم: الأشهر الأكثر هدوءاً في متوسط أقصى سرعة يومية للرياح كانت ديسمبر أو نوفمبر، والأكثر ريحاً كانت في الربيع. ففي حائل كان متوسط أقصى ريح يومية في ديسمبر نحو 20 كم/س، وفي مارس نحو 25 كم/س. وفي عرعر وسكاكا كان مايو هو الأشد. وهذا يعني أن قلب الموسم الشتوي يقع في أهدأ أشهر السنة ريحاً في هذه المدن، وهي معلومة لم أكن أعرفها بالأرقام قبل أن أحسبها، وإن كنت أحسّها.
اقرأ اتجاه الريح قبل قوتها
وفي صفحات المدن تجد اتجاه الريح مكتوباً بالعربية: شمالية، جنوبية غربية، وهكذا. والاتجاه هنا هو الجهة التي تهبّ منها الريح، كما هو المعتاد في الأرصاد. فالريح الشمالية تأتي من الشمال وتذهب نحو الجنوب. ومعرفة هذا مهمة لاختيار موضع الإرسال، ولاختيار مكان المخيم بحيث لا يدخل الدخان والغبار عليك.
الغبار: حين يختفي الأفق
الغبار في البر ليس مجرد إزعاج، بل خطر حقيقي. الرؤية تنعدم أحياناً، والطرق الترابية تختفي، والسيارة التي كانت قريبة تصير شبحاً. وفي يوم كهذا لا مكان للإرسال أصلاً، فالصقر الذي يطير في الغبار قد لا يعود إليك، لأنك لن تراه ولن يراك.
والقاعدة التي أعمل بها: إن كانت التوقعات تشير إلى رياح شديدة في منطقة رملية أو ترابية، أفترض أن الغبار محتمل، وأتابع تنبيهات المركز الوطني للأرصاد، فهو الجهة الرسمية التي تصدر الإنذارات. وأقارن ذلك بما تعرضه منصة طقس السعودية للمدينة الأقرب إلى المكان. وإن جاء الغبار ونحن في البر، نبقى في مكاننا حتى ينجلي، ولا نتحرك بالسيارات في رؤية منعدمة.
المطر والسيول والبرد
المطر في البر نعمة، لكنه يأتي أحياناً بما لا نتوقع. في معرض الموقع صور من وادٍ غطّاه البرد الأبيض، وصورة لسيل جارف بلون الطين بين الصخور. ومن رأى السيل يعرف أنه لا يُستهان به، وأن الوادي الجاف اليوم قد يكون نهراً غداً.
وتذكر البيانات المناخية أن نوفمبر كان أكثر الأشهر مطراً في المتوسط في حائل وسكاكا وعرعر خلال السنوات العشر الأخيرة، أي في أول الموسم الشتوي تقريباً. أما مرتفعات الجنوب الغربي، كأبها والباحة، فلها نمط مختلف تماماً، والمطر فيها أكثر بكثير وموزّع على شهور أكثر. ولهذا لا يصلح أن تعمّم ما تعرفه عن مدينة على أخرى. ومن يخرج في نوفمبر إلى جهة حائل فليتابع طقس حائل قبل أن يتحرك.
المطر والحبارى
وهنا يلتقي الجو بالطريدة. فبحسب ما تذكره سعوديبيديا في مادتها عن طائر الحبارى، يظهر هذا الطائر مع نزول المطر وفي الربيع، ويبدأ رحلته الموسمية إذا انقطعت الأمطار واشتد الجفاف. وهذا يوافق ما يعرفه الصقّارون من قديم: أن الأرض التي جاءها المطر ونبت فيها العشب أرض حياة، والطير يتبع الحياة.
ومن طرائف ما تذكره الموسوعة في مادة الحبارى الشرقية أن هذا الطائر لا يشرب الماء، وأنه يتغذى على أجزاء النباتات والحشرات كالجراد والخنافس. فالمطر لا يعنيه ماءً يشربه، بل نباتاً ينبت وحشرات تتكاثر. وتذكر أيضاً أن الطيور المتتبَّعة رُصدت وهي تطير حتى ستين كيلومتراً بحثاً عن الغذاء، فلا عجب أن يكون أثرها اليوم في مكان وغداً في مكان آخر.
الضباب والرؤية
الضباب في الشتاء يأتي غالباً في الساعات الأولى من الصباح، وهي الساعات نفسها التي يحبها الصقّار. والضباب الكثيف يعني أن الأرض أمامك مخفية، وأن الصقر إن أُرسل قد يغيب عن عينك سريعاً. ولهذا أنتظر حتى ينقشع، ولا أرسل في رؤية لا أطمئن إليها.
وفي صفحات المدن تجد ضمن أوصاف الحالة الجوية «ضباب» إن كان متوقعاً في ساعة معينة. وهذه الأوصاف مترجمة من رموز منظمة الأرصاد الجوية العالمية وهي رموز موحّدة تصف حالة السماء من الصحو إلى العاصفة الرعدية.
الضوء وقاعدة الليل
والرؤية مرتبطة أيضاً بالضوء، والضوء مرتبط بالنظام. فاللائحة التنفيذية لصيد الكائنات الفطرية البرية تحظر الصيد ليلاً، من ساعة قبل غروب الشمس إلى ساعة بعد شروقها. فلا تجعل الضباب يدفعك إلى تأخير الإرسال حتى يقترب المغيب، ولا تجعل الحماس يدفعك إلى البدء قبل الوقت.
مدن المقناص في سطور
لأن السؤال يتكرر عن الفرق بين المدن، جمعت هنا أبرز ما تقوله بيانات السنوات العشر الأخيرة عن مدن يقصدها الصقّارون أو يمرّون بها. والأرقام كلها متوسطات محسوبة من بيانات ERA5 للفترة 2016–2025، وتجد تفصيلها شهراً بشهر في صفحة كل مدينة.
- حائل: متوسط صغرى يناير 5.8 درجة، ومتوسط عظمى يوليو 39.8 درجة. نوفمبر أكثر شهورها مطراً في هذه البيانات، وديسمبر أهدأ شهورها ريحاً.
- بريدة: متوسط صغرى يناير 7.9 درجة، وعظمى يوليو 43.2 درجة. الريح تشتد في مارس وتهدأ في ديسمبر.
- سكاكا: من أبرد المدن في يناير بمتوسط صغرى 4.5 درجة، وأدنى صغرى يومية في البيانات نحو سبع تحت الصفر.
- عرعر: متوسط صغرى يناير 4.2 درجة، وأقل عظمى شتوية بين المدن التي حسبتها تقريباً، إذ متوسط عظمى يناير 15.3 درجة.
- تبوك: متوسط صغرى يناير 4.2 درجة، وهي من أقل المدن مطراً في هذه البيانات.
- الأحساء: أعلى متوسط لعظمى يوليو بين المدن التي حسبتها، 45.6 درجة، وشتاؤها أدفأ من الشمال بوضوح.
وخلاصة هذه الأرقام لمن يخطط: الشمال أبرد بكثير في الشتاء، والفرق في الصغرى بين عرعر والرياض في يناير يقارب خمس درجات في المتوسط. فإن كنت معتاداً على ليالي الرياض، فلا تقِس عليها ليالي الحدود الشمالية.
الصقر في المخيم
وما دام الكلام عن الجو، فلا بد من كلمة عن الصقر حين لا يطير. فأكثر وقت الصقر في المقناص يقضيه على وكره في المخيم، لا في الهواء. وهنا تصير الريح والشمس والبرد مسؤوليتك أنت.
في أول الموسم أبحث للصقر عن ظل حقيقي، لا ظل يتحرك مع الشمس فيتركه مكشوفاً بعد ساعة. وفي الشتاء أبحث له عن مكان يحميه من الريح الباردة، خاصة في الليل. ولا أضع الوكر في مجرى الريح ولا قريباً من دخان النار. وحين يأتي الغبار، فأول ما أفعله أن أحمي الصقر، ثم أحمي نفسي.
هذه أشياء بسيطة، لكني رأيت من يهملها فيخسر يومه أو أكثر. والصقّار الذي يقرأ التوقعات من أجل نفسه فقط نسي نصف الحكاية.
كيف أقرأ التوقعات قبل المقناص
في كل صفحة مدينة على هذا الموقع ثلاثة أجزاء: الحالة الآن، والساعات الثماني والأربعون القادمة، والأيام السبعة القادمة. وهذه طريقتي في قراءتها:
- الأيام السبعة أولاً: أنظر في العظمى والصغرى لأعرف ما أحمله من ملابس وحطب، وفي احتمال الأمطار وأقصى ريح لأختار اليوم الأنسب.
- الساعات القادمة ثانياً: في الليلة السابقة للخروج أنظر ساعة بساعة: متى تبدأ الريح؟ هل هناك ضباب في الفجر؟ ومتى تنخفض الحرارة أكثر؟
- الإحساس قبل الحرارة: الرقم الذي يهمّ جسدك هو «الإحساس»، لأنه يجمع أثر الريح والرطوبة مع الحرارة.
- المدينة الأقرب: لا أعتمد على توقعات المدينة التي أسكن فيها، بل على أقرب مدينة إلى المكان الذي أقصده. فمن يخرج إلى نفود الشمال ينظر في حائل أو سكاكا، لا في الرياض.
- التنبيهات الرسمية دائماً: التوقعات أداة تخطيط، أما الإنذارات فمصدرها المركز الوطني للأرصاد.
بيانات صفحات المدن وتتحدّث تلقائياً كل ثلاث ساعات، ويحدّثها المتصفح أيضاً عند فتح الصفحة. وهي توقعات نماذج عددية، فقد تخطئ، خاصة في الظواهر المحلية كالغبار والضباب.
الصقّار يقرأ السماء
كان آباؤنا يقرؤون السماء بأعينهم: لون الأفق، وحركة الغيم، وبرودة الريح على الوجه. ونحن اليوم نقرؤها على الشاشة أيضاً. ولا أرى تعارضاً بين الطريقتين. الشاشة تخبرك بما سيأتي غداً، وعينك تخبرك بما يحدث الآن. ومن يجمع الاثنتين يخرج مطمئناً ويعود سالماً.
وأختم بنصيحة تعلّمتها بالطريقة الصعبة: لا تجعل حماسك للمقناص يغلب قراءتك للسماء. فاليوم الذي تلغيه بسبب ريح شديدة أو غبار متوقع لن تندم عليه، أما اليوم الذي تخرج فيه وأنت تعرف أن الجو لا يناسب، فقد تندم عليه طويلاً. والبر باقٍ، والموسم طويل، والصقر الذي يعود إليك سالماً أثمن من أي طريدة. وإن ترددت يوماً بين الخروج والبقاء، فاسأل نفسك: هل أخرج من أجل الصيد، أم من أجل ألا أبقى؟ فإن كان الجواب الثاني، فابقَ.
وإن كنت تخطط لمقناص في قلب الشتاء فاقرأ مقال المربعانية وموسم الصقارة، فيه أرقام عن برد ليالي الشمال. وإن أردت أن تتأكد من النظام قبل الخروج فاقرأ الأنظمة والتراخيص.
المصادر
- سعوديبيديا: الحبارى الشرقية (نُشر 13/11/2023)
- سعوديبيديا: طائر الحبارى (نُشر 07/02/2023)
- جريدة أم القرى: اللائحة التنفيذية لصيد الكائنات الفطرية البرية
- المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية: انطلاق موسم الصيد في المملكة 2025-2026
- المركز الوطني للأرصاد: المركز الوطني للأرصاد
- Open-Meteo: WMO Weather interpretation codes، توثيق Weather Forecast API
- Open-Meteo: Historical Weather API (ERA5)، بيانات 2016–2025
راجعت المصادر في 21 أكتوبر 2026. الأنظمة والمواسم تتغيّر، فارجع إلى الجهة الرسمية قبل أي قرار.